قراءة في ذهنية التقديس !
وأنا أتصفح تاريخ ذاكرتي المهترئة ، حاولت أن أصنع مفارقة جميلة بين الماضي والحاضر إلا أنني ورغم ذلك لم أستطع أن أجمع بين المفارقتين نظراً لتشابه المشهدين باختلاف الشخوص والأفراد !
تعود بي الذكرى لمسيرة الخميس الحاشدة ، والتي خرجت تندد بالهجوم الذي تعرض له ( عيسى قاسم ) من قبل ( جاسم السعيدي ) !!
كنت أقول أن الأهداف كانت متضاربة من وجهة نظري الخاصة ، لأن هذه المسيرة لم تكن لتخرج لتلبي نداء الدين أو الوطن مثلاً أو التنديد بالطائفية أو أي قضية وطنية أخرى وإنما خرجت لتلبي نداءا يحمل في طياته تقديساً خاصاً لشخصية جدلية لطالما أثارت الساحة !
إذ أنني كلما حاولت أن أشيح بوجهي عن هذا الحدث الخميسي ، طاردتني الأفكار والهواجس وفرضت عليي إلا أن أكتب ، وإلا سيطفح عليي الكيل وأصاب بجلطة في القلب أو الدماغ أو على الأقل ارتفاع في ضغط الدم أو السكر !
كنت أقول في نفسي بأنني مراهقاً سياسياً ، إلا أن تلك المراهقة المجنونة أبت إلا أن تلازمني مع كتابتي لهذا المقال .
لا يهمني كثيرا بأي قدر سوف يعول على هذا المقال أو كم انتقاد حاد مؤدلج سيصلني إلا أنني أصر على مبدأ الفكرة وأصّر على قوة تشابه المشهدين ، ليس لديكتاتورية في نفسي وإنما لأن هذه المفارقة وجدتها قوية جداً .
ردد الكثير من المسيرّين عبارة ( العلماء خط أحمر ) وان التعرض لعلماء الدين هو تعدي سافر على الدين وهذا ما لا يرضاه المسلمين بكل الطوائف والمذاهب ، ثم تليت البيانات وصلى المصلون وانقضى كل شيء .
لن أختلف معكم ولكن ألا تلاحظون جيداً وجود ثغرة حقيقية ، يجب الالتفات لها ؟!
تعرض عيسى قاسم لهجمة شرسة كما نشرت الصحف والمواقع، وأنه هو الرجل البحريني الذي يمتلك منصب ( آية الله ), وان التعرض له بأي إهانة هو تعرض للبيت الشيعي بأكمله !
لا تهمنا كثيراً المسميات والمناصب - المهم في كل ذلك تقريب المشهد مع هذا ( المسمى ) !
( السيد محمد حسين فضل الله ) ، يعتبر آية من آيات الله وأنه فقيه ومرجع من مراجع الشيعة ، تعرض عدة مرات إلى اضطهاد وإلى تسقيط مزري من قبل علماء قم وبقية الحوزات الشيعية .
اتهم الرجل بأنه ضال مضل، وأن تقليده باطل وغير مبرئ للذمة كما قرأت في الكثير من الكتب التي روجت في الآونة الأخيرة، وماذا كان السبب ؟ اختلاف في الرأي ! في قضية تاريخية، لم تثبت لديه كما لم تثبت عند الكثير من أعلام الشيعية وعلمائها القدامى !
الجدلية التي أتحدث عنها هنا، لم تكن فقط في المسميات أو العمامة و المذهب، الاختلاف كان واضحاً وضوح الشمس.
لكن السؤال : ألم يكن فضل الله مرجعاً من مراجعكم ؟ ألم يتعرض للتسقيط عدة مرات ؟ ألم يكن للسيد أتباع ومقلدين ؟ أليس هناك الكثير من البحرينيين ممن يقلدون هذا المرجع ؟ ألا يعد هذا التعدي
استخفافاًً بهم ،عندما يتعرض مرجعهم لمثل هذه التهم الغليظة والتكفيرية ؟ أليس من حقهم أن يخرجوا للشوارع لينددوا بما تعرض له الرجل ؟ ألا يمثلهم دينياً أن لم يكن سياسياً وثقافياً ؟ لماذا لم تخرج المسيرات آنذاك للدفاع عن سماحته وأن تكتب البيانات ضد من تعرضوا لهذا الرجل ؟ ألم يكن شيعياً ورجلاً فقيهاً محنكاً ؟ لماذا لم يأخذ العلماء موقفاً مضاداً للدفاع عن الرجل ؟
كل تلك الأسئلة أطرحها عليكم، لعل هنالك منصفاً يستطيع الإجابة عليها من دون تمييز أو راديكالية !
أتفق معكم على تشابه المشهدين ، فعيسى قاسم فقيه كما تقولون وفضل الله كذلك ، وإذا كان( قاسم ) خط أحمر فالآخر أيضاً لا يجوز المساس به ولا التعرض له بأي صفة كانت ، وإذا كان التعرض لعلماء الدين هو ذات لا تمس ، فالسيد ذاته من ذوات العلماء ولا يوجد فرق بينه وبينهم وإذا كان التعرض لعلماء الدين هو تعرض للإسلام ، فهذا الرجل يمثل الإسلام والتشيع وأن ازدراءه و الانتقاص منه يعد قبحاً من الجميع ! وإذا كان الراد على الفقهاء راد على الله وعلى أهل البيت ، فهؤلاء حاولوا الإجهاز على الرجل بكل الوسائل حتى لا تقوم له قائمة !
لست بصدد الدفاع عن أحد هنا ، أو الوقوف في بصف أي إنسان وإنما ذكرت هذا المثال لوجود التشابه فقط ...
ثم عن أي خط احمر تتحدثون ؟ الخطوط الحمراء تجوز عليكم ولا تجوز لغيركم .
إن القضية هي ليست قضية دين او وطن ، القضية أكبر من أن تكون بهذه الصورة ، القضية هي قضية تقديس شخصيات لا أكثر وإلا فلماذا لم تخرج مسيرات أخرى تؤيد أي عمل وطني أو إسلامي نزيه ؟ ولماذا لا تخرج المسيرات لتطالب بصدق أن تتوقف هذه المهازل التي يرتكبها أولئك المراهقون في كل قطر من هذا الوطن ؟
أن طبيعة البشر هكذا سيما المسلمين ، تقدس الشخوص وتمنحهم أوسمة مجانية وترفعهم إلى أعلى عليين .
قد يقول قائل بأن قضية العلماء والاختلاف هي قضية دينية بحته ولا يمكن للعوام أن يكون لهم رأي أو تدخل في هكذا قضايا ، ولكننا نقول أن جوهر الاختلاف لم يكن فقهياً أو أخلاقيا أو سياسياً وإنما كان الاختلاف في قضية تاريخية ، كان في قبالها من يتفق مع هذا الفقيه في الرأي ! ولكن هل يعقل أن تحجم القضية وتعطى أكبر منها و تسيل فيها الدماء ويكفر بها الآخرون ، وهي قضية خلافية في كل كتب المسلمين ؟ كل المسائل خلافية إذا قرأنا الدين والمذهب الشيعي ، ليس هناك فقيه يتفق مع الآخر إلا في الواجب والمستحب لربما وربما يختلفون في هذا الجانب أيضا ، ماهية التقليد هكذا ( مرنة ) ولكن !
نحن نشأنا في الرحم الشيعي ، وترعرعنا في المشيمة الشيعية ، وتغذينا من حبلها السري ، فمثل هذه القضايا لا تمر على عقولنا مر السحاب ، لأن الشاب الشيعي اليوم لم يكن ذلك المسكون بخرافات التاريخ وبالفكر الغباري !