

لست ممن يهوى تربية الحيوانات او الطيور بأشكالها المختلفة ، لكنني حتماً أستمتع بالنظر إليها والجلوس بقربها ، والتأمل في هذه الكائنات سيما البريئة منها كالقطط والطيور وأسماك الزينة !
قبل عدة أشهر أهداني أحد الأصدقاء حوضاً للأسماك ، فتحيرت أين أضع ذلك الحوض الزجاجي الفخم ، فرسى بي الحال أن أجرد له زاوية مناسبة في صالة المنزل .
لم يكن لدي الوقت الكافي لتربية تلك الأسماك ، لأنني منشغل حتى النخاع ! فأوكلت أمرهم الى الخادمة التي بدورها قامت بتنظيف الحوض ورعاية الأسماك الجميلة .
جلست ذات يوم أتأمل ذلك الحوض الزجاجي والأسماك الصغيرة تدور فيه ، وكأنها في نهر طويل ليس له نهاية بينما ذلك الحوض لا يتعدى النصف متر او يزيد .
بعد عدة أيام بدأت عملية النفوق والموت المفاجئ للأسماك ولا أدري ما هو السبب الحقيقي وراء ذلك هل هو إهمال من الخادمة أم أمر آخر أدى إلى نفوقها ، كما حادث للأسماك في بحر توبلي و الجزيرة !
لم يكن في الحسبان أن تودع الأسماك حياتها البريئة وتحتضر الواحدة تلو الأخرى ، حتى لم يتبقى من ذلك العدد الا سمكة واحدة لازالت صامدة حتى هذه الساعة .
جلست أمام ذلك البيت الزجاجي الصغير متسائلاً : هل يعقل أن يعيش السجين والسجان في دار واحدة ؟ وهل يمكن أن يتقساما لقمة واحدة بينهما ؟ وهل يمكن للحق والباطل أن يجتمعان في مشهد حزين ؟؟
أحسست في تلك الساعة بأنني أنا السجان والسمكة البريئة هي السجينة ، أحسست انني أنا الذي تسببت في سجنها طيلة تلك الأشهر بينما كانت هي سابحة في بحر من الحرية مع بقية الأسماك قبل أن تدخل إلى هذا الصندوق الزجاجي الصغير !
شعور يكاد يهرسني كلما نظرت إليها تعيش حالة من الوحدة ، فتخيلت لو أنني أعيش في هذا المكان وفي هذا الصندوق ذو الأربع زوايا ، يا ترى ما هو الأحساس الذي سوف يطاردني في تلك الساعة ؟ هل ستكتب لي الحياة بعد أن فقدت مجموعة كانت تؤنسني ، وقبل أن أصبح وحيداً تصفع بي الزوايا الضيقة ؟!
حتى عندما أزور حديقة للحيوان أو أنظر إلى عصفوراً في قفص صغير ، يداهمني ذلك السؤال ويطاردني ذلك الاحساس المقرف ، فأقول في نفسي : كيف لهذا الانسان أن يسجن طيراً او حيواناً بريئاً في قفص وقد خلق حراً منذ ولادته ومن أجل ماذا من أجل أن يتفرج عليه الصغير والكبير وهو حبيساً في قفص حديدي لا يمتلك الخروج منه أو الدفاع عن نفسه ، فماذا لو خرج ذلك الطير من قفصه وأطلق للحياة من جديد ، هل سيفكر يوماً بأن يقع فريسة في يد صياد ؟!
هكذا يغالبني الشعور عندما أجلس متأملاً لتلك السمكة الحمراء ذات الصبغة الرائعة ، وهي تدور وتدور ولا تدري لأي وقت سوف تبقى تدور في ذلك المكان تمثل نفس المشهد ! وأنا أتفرج عليها بلا رحمة .
لتأتي صورنا البشرية تتقاذف أمام مخيلتي ، أتخيل الكثير من الأبرياء الذين يسكنون السجون منذ سنين طويلة والذين لازالوا قابعين بين الجدران و الأبواب الحديدة المحكمة ، أتذكر أولئك الذين لازالوا يعيشون خلف أسوار ، يتقاسمون لقمة الظلم بينهم وبين سجانهم ، لأقول في نفسي ، هل يمكن لهذا الانسان أن يعيش مغيباً وراء أبراج من الجدران والحديد ، بعيداً عن أهله وأحبته ، ثم ما هو طعم الحياة لمن يعيشون في زنزات انفرادية مظلمة ؟ هل سيصمدون أمام الواقع الأليم أم ستلتهم نيران الوحدة كما ألتهمت الكثير من أقرانهم ؟!







